عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

390

اللباب في علوم الكتاب

سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان ، وعمار بن ياسر بعد وقعة « أحد » : ألم تروا ما أصابكم ، ولو كنتم على الحق ما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا ، فهو خير لكم وأفضل ، ونحن أهدى منكم سبيلا . فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ قالوا : شديد ، قال : فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم ما عشت . فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت باللّه ربّا ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماما ، وبالكعبة قبلة ، وبالمؤمنين إخوانا ، ثم أتيا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - وأخبراه فقال : أصبتما خيرا وأفلحتما فنزلت هذه الآية « 1 » . قوله تعالى : « لَوْ يَرُدُّونَكُمْ » الكلام في « لو » كالكلام فيها عند قوله : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ [ البقرة : 96 ] ، فمن جعلها مصدرية هناك جعلها كذلك هنا ، وقال : هي مفعول « يود » أي : ودّ كثير ردّكم . ومن أبي جعل جوابها محذوفا تقديره : لو يردونكم كفارا لسرّوا أو فرحوا بذلك . وقال بعضهم : تقديره : لو يردونكم كفارا لودّوا ذلك ، ف « ودّ » دالّة على الجواب ، وليست بجواب ؛ لأن « لو » لا يتقدمها جوابها كالشرط . وهذا التقدير الذي قدره هذا القائل فاسد ، وذلك أن « لو » حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ، فيلزم من تقديره ذلك أن ودادتهم ذلك لم تقع ؛ لأن الموجب لفظا منفي معنى ، والغرض من ودادتهم ذلك واقعة باتفاق ، فتقدير لسروا ونحوه هو الصحيح . و « يرد » هنا فيه قولان . أحدهما - وهو الواضح - أنها المتعدّية لمفعولين بمعنى « صيّر » ، فضمير المخاطبين مفعول أول ، و « كفارا » مفعول ثان ؛ ومن مجيء « ردّ » بمعنى « صيّر » قوله : [ الوافر ] 733 - رمى الحدثان نسوة آل حرب * بمقدار سمدن له سمودا فردّ شعورهنّ السّود بيضا * وردّ وجوههنّ البيض سودا « 2 »

--> ( 1 ) انظر تفسير الفخر الرازي : ( 3 / 213 ) . ( 2 ) البيتان لعبد اللّه بن الزبير . ينظر ملحق ديوانه : ص 143 - 144 ، ونسبا أيضا للكميت بن معروف ينظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي : ص 941 ، المقاصد النحوية : 2 / 417 ، عيون الأخبار : 3 / 76 ، معجم الشعراء : ص 309 ، ذيل الأمالي : ص 115 ، شرح الأشموني : 1 / 159 ، شرح ابن عقيل : ص 217 ، لسان العرب ( سمد ) ، أمالي القالي : 3 / 128 ، الأضداد : ( 36 ) ، مجالس ثعلب : 2 / 439 ، الدر المصون : 1 / 341 .